google-site-verification=eU5k-6esAUNUiUJsGJGdwTxnkJl4httUZCU41bY7Xe8
top of page

ترتيب الإخوة في الأسرة وتأثيره على الشخصية والسلوك من منظور علم النفس

هل يولد القيادي أولا؟ وهل حقًا الطفل الأصغر مدلًا؟ 


لطالما أثار ترتيب الإخوة في الأسرة وتأثيره على الشخصية نقاشًا واسعًا بين علماء النفس والاجتماع لبعض يراه تفسيرًا علميًا للسلوك والشخصية، وآخرون يعتبرونه مجرد خرافة شعبية لا تستند إلى أدلة قوية.

في هذا المقال، نستعرض كيف تناول علم النفس – وخاصة نظرية العالم أدلر – فكرة ترتيب الإخوة وتأثيرها على الشخصية، وما بين النظرية والواقع، نحاول الإجابة: هل ترتيبنا في العائلة يشكل من نكون حقًا؟

ترتيب الإخوة في الأسرة وتأثيره على الشخصية والسلوك من منظور علم النفس

من هو أدلر؟ 

ألفرد أدلر هو طبيب وعالم نفس نمساوي، ولد عام 1870 في ضواحي فيينا. ويعد وأحد من أبرز رواد علم النفس الحديث، وأول من قدم مفهوم علم النفس الفردي الذي يركز على الإنسان ككل متكامل لا كمجموعة من العرائز كما رأي فرويد. 

لكن ما علاقة تجربة أدلر الشخصية بنظرياته؟ وكيف أثر ترتيبه داخل أسرته في رؤيته للعلاقات الإنسانية؟

كيف نشأت فكرة ترتيب الإخوة في الأسرة في علم النفس؟ 


تعود جذور اهتمام أدلر بترتيب المواليد والشعور بالدونية إلى طفولته نفسها، حين كان يقارن نفسه بشقيقه الأكبر الذي كان تمتع بصحة جيدة. هذه المقارنات المبكرة زرعت في داخله السؤال الذي ظل يرافقه طوال مسيرته: لماذا يشعر بعضنا بالنقص رغم أننا لسنا أقل من غيرنا؟


من هنا، تطورت لدى أدلر فكرة أن الإنسان يسعى دائمًا للتفوق لتعويض ما يراه نقصًا، وهو ما انعكس لاحقًا في تفسيره لتأثير ترتيب المواليد على الشخصية.

ترتيب الأخوة وتأثيره على السمات الشخصية وفق نظرية أدلر 

1 - الطفل الاكبر: من المسؤولية إلى القيادة  

يرى أدلر أن الطفل الأكبر في الأسرة يحظي في البداية باهتمام الوالدين الكامل، فهو يعامل ك مركز الكون في سنواته الأولى  ولكن هذا الوضع يتغير تمامًا مع قدوم المولود الجديد حيث يجد نفسه فجأة مطالب بتقاسم الحب والاهتمام الذي كان حكرًا عليه. 


وغالبًا ما يعجز عن استيعاب هذا التحول، خاصة إن كان الفارق الزمني بينه وبين أخيه صغيرًا، فينشأ بداخله شعور بالغيرة أو التهديد،

ما يدفعه لمحاولة استعادة مكانته من خلال الاجتهاد، والطاعة، وتحمل المسؤولية.

وبهذا، يميل الطفل الأكبر لأن يكون:

  • منظمًا، جادًا، يميل للقيادة والسيطرة.

  • حذرًا ومثابرًا، لكنه أكثر عرضة للتوتر والقلق.


يفسر أدلر ذلك بأن الطفل الأول يسعى دائمًا لتعويض فقدان اهتمام والديه،

فينشأ بداخله دافع قوي نحو التفوق والإنجاز — وهو ما قد يجعله في بعض الأحيان عرضة للمبالغة في المثالية أو العصابية

ومع مرور الوقت، تنمو لديه صفات القيادة والانضباط والالتزام بالقواعد، إلا أن ذلك قد يجعله أحيانًا متشددًا أو متطلبًا في تعامله مع الآخرين.

هذه السمات جعلت كثيرًا من البِكر عبر التاريخ يتجهون نحو مواقع السلطة والقيادة، كما أشار عالم النفس الأمريكي فرانك سولاوي في دراساته عن ترتيب المواليد وسلوك القادة والمفكرين.


الطفل الأوسط: بين المقارنة والبحث عن التوازن


يجد الطفل الأوسط نفسه دائمًا في موقع المقارنة، فالأخ الأكبر يحظي بالاهتمام والمسؤولية، والأضغر بالدلال، أنما يبقي هو ليشعر بأنه المنسي في المنتصف.

يسعى الطفل الأوسط إلى إثبات ذاته من خلال التنافس والعمل الجاد، لكنه في الوقت نفسه يطور قدرات عالية على التكيف والتفاوض. فيصبح أكثر تعاونًا ومرونة من غيره.

يرى علماء النفس أن الابن الأوسط غالبًا ما يكون وسيطًا طبيعيًا داخل الأسرة، يلقّب بـ “حمامة السلام”، يجيد التواصل مع مختلف الشخصيات، لكنه قد يضع لنفسه أحيانًا توقعات مثالية تدفعه نحو القلق أو الإحباط إن لم تتحقق.

الطفل الأصغر: بين الدلال والإبداع

يحظى الطفل الأصغر عادة باهتمام ورعاية خاصة من والديه وإخوته الأكبر، إذ يكون الجميع في مراحل نمو متقدمة، مما يجعله محورًا طبيعيًا للاهتمام داخل الأسرة.


هذا الاهتمام يمنحه شعورًا بالأمان والثقة، لكنه قد يؤدي أحيانًا إلى الإفراط في الدلال أو الاعتماد الزائد على الآخرين. في المقابل، يسعى الأصغر إلى إثبات استقلاليته عبر التميز وجذب الانتباه، فيطور سمات مثل المرح، والإبداع، والقدرة على لفت الأنظار.


وغالبًا ما يوصف الطفل الأصغر بأنه اجتماعي ومغامر ومحب للتجربة، مما يجعله أكثر انفتاحًا على الأفكار الجديدة والمخاطر وهي صفات تظهر بوضوح لدى العديد من المبدعين والفنانين الذين كانوا آخر من وُلد في عائلاتهم.

بين النظرية والواقع – خرافة أم علم؟

رغم الجاذبية الكبيرة لفكرة أن ترتيبنا بين إخوتنا يشكل شخصياتنا،فإن الأبحاث الحديثة في علم النفس تكشف أن الأمر أكثر تعقيدًا مما نظنه.

فبينما لاحظ أدلر اختلافات واضحة في سمات الأبناء تبعًا لترتيبهم، تظهر الدراسات المعاصرة أن هذه الفروق ليست حتمية، بل تتأثر بعوامل أخرى مثل أسلوب التربية، وفارق العمر بين الإخوة، والبيئة الاجتماعية، والثقافة الأسريه.

لذا، يرى كثير من الباحثين اليوم أن ترتيب المواليد ليس “خرافة” تمامًا،  لكنه عامل ثانوي يكتسب أهميته فقط داخل السياق الأسري والاجتماعي الذي ينشئ فيه الفرد. بعبارة أخرى: ترتيبك لا يصنع شخصيتك وحده، لكنه قد يساهم في تشكيل الطريقة التي ترى بها نفسك والعالم من حولك.

العلاقة بين نظرية أدلر وعلم النفس الحديث

ما زالت أفكار أدلر تمثل أحد الجسور المهمة بين التحليل النفسي الكلاسيكي وعلم النفس الاجتماعي الحديث. فاليوم، تستخدم مفاهيمه حول مشاعر النقص والسعي للتفوق في فهم الدوافع الإنسانية داخل مجالات متنوعة: من العلاج النفسي، إلى الإرشاد الأسري، وحتى التعليم والقيادة.

كما أن تركيزه على البيئة الاجتماعية ودور الأسرة مهد الطريق لنظريات لاحقة في علم النفس التنموي، وتدرس كيف يؤثر الدعم الأسري والعلاقات المبكرة على بناء الشخصية. لذلك، يمكن القول إن نظرية أدلر لا تزال حية ومتجددة، لأنها لا تفسر فقط من نكون… بل كيف نصبح ما نحن عليه.

في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال شخصية الإنسان في ترتيبه بين إخوته، فالميلاد لا يمنحنا هوية جاهزة بقدر ما يفتح أمامنا رحلة لتشكيلها بأنفسنا. قد يكون ترتيب المواليد عاملاً يترك أثره في السنوات الأولى،لكنه لا يحدد مصير الفرد ولا يرسم ملامح شخصيته إلى الأبد.

 فالأكبر ليس بالضرورة قائدًا، ولا الأوسط دائم التوازن، ولا الأصغر حتمًا مدلّلًا؛ بل كل ما نكونه يتكون من تجاربنا، ووعينا، وطريقتنا في التعامل مع شعور النقص والتفوق الذي تحدث عنه أدلر. إن عبقرية نظرية أدلر لا تكمن في تفسير “الترتيب” ذاته، بل في كشفها لحقيقة أعمق

 أن الإنسان كائن يسعى دومًا إلى تجاوز ذاته، وأن قوّته الحقيقية لا تأتي مما ولد عليه، بل مما اختار أن يصبحه.


 
 
bottom of page